كانت أصوات العصافير تتعالى في صخب, منذرة بإشراق يوم جديد.
ذلك الوقت المبكر لصباح يوم من ايام الشتاء القارص البرودة لم تشرق فيه الشمس بعد, وإنما توارت وراء الغيوم, تظهر على استحياء
الساعة تدق السابعة صباحا ,بعض الأشعة تتسلل لتنشر الدفء قليلا في المكان
الأطفال يركضون إلى مدارسهم وهم يرتدون زيهم المميز, ويحملون حقائبهم الصغيرة التي علقت فيها عبوات المياة بشكلها المألوف الجذاب
الاطفال فرحين ببداية يوم دراسي جديد ,وأحلام الطفولة البريئة تملأ مخيلاتهم
وابتسامة خجولة ترتسم على شفاههم
المكان مدرسة ابتدائي
داخل الفصل كانت وفاء منهمكة تماما في عملها وهي تجلس في مقدمة الفصل تشرح بكل همة ونشاط
وفاء : حان وقت الاسئلة
تهللت أسارير الأطفال وانتبهوا لها في حماس
وفاء : سنعقد مسابقة بين فريقين الصف الأيمن, والصف الأيسر, أما الصف الذي في المنتصف ,فهو الجمهور
مهمته التشجيع اتفقنا ؟
فيصفق الأطفال في مرح
وتتابع وفاء : وكل من يعرف الإجابة من الصفين يرفع يده والصف الذي به أكبر عدد يعرف الاجابة هو من سيجيب
السؤال الأول
وبدأت وفاء في إلقاء الاسئلة ,وبذلت مجهود خرافي وهي تحاول أن تعرف أي الصفين به عدد أكبر من رافعي الأيدي أو أكبر عدد من
عارفي الإجابة, فدوما كانوا متعادلين
؛فتطرح لسؤال جديد, وتعيد الكرة ويجيب هذا وذاك , وكل من يجيب تذهب إليه لتعطيه بعض الحلوى, وتطلب من الفصل التصفيق له
وكأنه وقتا للعب والمرح, وليس حصة للدراسة وإجابة الأسئلة
كان مشهدا مميزا يصعب تكراره في أماكن أخرى. صعب أن تسمع صوت ضحكات وحماس الطلاب بهذا الشكل داخل أي فصل
ذلك لأن مدرس الفصل لم يكن مدرسا عاديا ,كانت مدرسة تدعى وفاء, أخذت على عاتقها هم كبير ؛لإيمانها بأن التدريس مهمة صعبة,
ومسئولية .
كان هدفها أن تظل عالقة بأذهان تلاميذها للأبد, وعندما ترحل عن عالمهم يدعون لها كل مساء بالرحمة والغفران ؛من فرط حبهم لها.
سمعت وفاء ذلك الصوت المنذر بانتهاء الحصة؛ لتخرج من الفصل ,والأطفال حولها يغمرونها بالأسئلة, وهي تجيب وتضحك وتشاكس.
في هذه الأثناء مرت ماجدة صديقتها ؛كان عليها دخول الحصة التي تلي حصة وفاء فقالت ضاحكة :
اتركوا آنسة وفاء أليس لكم مدرسة غيرها؟ هيا لدينا الكثير من الدروس فوق رؤوسنا
وفاء : حصتك هنا ؟؟
ماجدة :نعم... هل لديكِ حصة الآن ؟
وفاء : لا سأذهب لأشتري شيئا آكله مع كوب شاي؛ أشعر بالدوار .
ماجدة : أنتي لا تتعلمين ودائما تأتين بلا فطور سأشتكي لتلاميذك ياأستاذة .
فضحكت وفاء وهي تقول : لا ارجوكِ, سأسمع الكلام ياآنسة ,ولكن لا تشتكيني.
تركتها وفاء متجهة نحو ركن صغير, ذلك المكان المخصص لبيع المأكولات لتلاميذ المدرسة مع بعض المشروبات للمدرسين, والذي
يقوم عليه عامل
المدرسة ,وتشرُد وهي في طريقها داخل هذا الممر الصغير؛ طرقة صغيرة تفصل بين فنائين, أحدهما يقام فيه طابور الصباح
,والآخر للعب في فترة الاستراحة ,مجرد طرقة صغيرة مسقوفة ومرصوفة ، داخلها
على اليسار مسجد صغير ,كم صلت فيه مع زميلاتها وهي صغيرة لاتزال تتعلم الصلاة وتتعلم كيف تقف في حضرة هذا المكان وفي آخره حجرة المدرسين
كم ذهبت وهي صغيرة تسأل أستاذتها عن أشياء كثيرة ,كم كانت تحب أستاذة اللغة العربية, وتجلس معها في هذا المكان؛ تشرح لها وتروي لها الحكايا
كانت حقا أياما رائعة .ومنذ أن تم تعيينها هنا بنفس المكان الذي درست وتعلمت فيه, والذكريات تطل عليها كل يوم ألف مرة.
تناولت وفاء كوب الشاي وباكوات البسكويت ,ثم مرت من ذلك النفق ,وهي تنظر لحجرة المدرسين المغلقة حاليا
لتذهب إلى الفناء الآخر, ثم إلى حجرة المدرسين الحالية وهي تحدث نفسها : رباه كلما مررت من هنا تذكرت طفولتي
في هذه المدرسة شعور غريب, يخيم عليّ قد يفقدني توازني أحيانا
: هل تعلمين أن هذه الحجرة كانت فصلي في يوم من الأيام ؟
نطقتها وفاء وهى تتناول إحدى المقاعد ثم تجلس, وهي تتحدث إلى زميلتها فاتن
فاتن : شعور غريب أن تعملي مدرسة فى نفس المدرسة التي تعلمتِ بها ,قد تختلط عليكِ الذكريات فيما بعد
ضحكت ثم عادت تتابع : هذه الفصول القديمة أصبحت حجرات لنا بعد بناء الفصول الجديدة ,فهي آيلة للسقوط ,يخافون على الطلبة
ويضحون بالمدرسين.
قامت وفاء ,وهي تقول: لا تخافي, لن نعيش أقل مما هو مكتوب ... لدي الحصة الآتية, بعد إذنك
وفاء وهي تقف على باب الفصل, يسلم عليها الأطفال ,ويبتسمون لها ؛فتوزع عليهم الابتسامات والسلامات, ثم تتجه
نحو طفلة صغيرة تبكي ؛فترفع وفاء رأسها برفق وتمسح بيدها دموعها وترفع بيدها خصلة صفراء صغيرة سقطت على عين الطفلة
وفاء : لماذا تبكين ياصغيرتي ؟
الصغيرة : أمي مريضة ؟
وفاء : ستشفى حبيبتي, لا تبكي ,ادع ِ لها
الصغيرة : أنا أفتقدها كثيرا وأريد أن أذهب للبيت كي أراها
وفاء : لماذا؛ ألم تريها في الصباح ؟
الصغيرة : لا ,أبي قال أنها نائمة ولم يسمح لي بذلك
وفاء : مااسمك حبيبتي ؟
الصغيرة :أمل
وفاء :اسمك جميل ياأمل .... هل تعلمين رقم هاتفكم ؟
الصغيرة : نعم
وفاء تُخرج من حقيبتها هاتفها المحمول وتطلب الرقم ,ثم تتحدث إلى والدة الطفلة ,وتعطي الهاتف للصغيرة؛ لتتحدث إلى أمها
فتحولت دموعها وقلقها إلى ابتسامة قد تكون مؤقتة ولكن وفاء استطاعت أن ترسمها ولو لوقت قصير
ثم بدأت حصتها وكانت الصغيرة تنتبه إليها بكل حماس
بعد أن انتهت وفاء من الحصة وجدت تلاميذها في فصل آخر يجلسون في الفناء فنادت أحدهم :
خالد.. مَن عليكم الآن ؟؟
خالد: تربية رياضية آنسة ولكن الأستاذ غائب
وفاء : اذن اجمع لي زملاءك, إذا أرادوا أن يأتوا الفصل ؛سأجعلها مسابقة ,هيا
فقفز خالد بفرحة : حالا آنسة
ثم ركض يصيح بزملائه:
. آنسة وفاء أخذت الحصة هيا
بدأت وفاء السباق بنفس طريقتها ,تسأل والكل يرفع يديه, ثم تخرج أحدهم؛ فيرسم أحد الرسوم العلمية المقررة
أو يشرح تجربة ما, أو يجيب على السؤال بطريقته أمام الفصل. تحاول أن تجعلهم أكثر ثقة بأنفسهم ومتفوقين ومتميزين دائما.
وكان لابد من وجود بعض الطلبة الغير مميزين ,هم ليسوا فاشلين ولكن قدراتهم العقلية اقل.
كانت تحتويهم, وتحاول أن تبذل معهم مجهودا أكبر ,وتركز عليهم اهتمامها أكثر, ولأنهم يحبونها؛ كانوا يحاولون دوما أن يصبحوا أفضل حتى ينالوا
منها ابتسامة, او كلمة تشجيعية, أو بعض من الحلوى التي توزعها ,وحتى يتخلصوا من أساليب عقابها ,وهي التجاهل وعدم المشاركة
في مثل هذه المسابقات التحفيزية وإذا سئلوا يوما ولم يجيبوا الإجابة الصحيحة كان يكفيهم تلك النظرة الثاقبة من عينيها
التي تنم عن غضبها ,وحزنها ,ولومها لهم؛ كيف لا يذاكرون مع هذا المجهود المبذول معهم؟ !وكانت دوما هناك عصا معلقة
بجوار الباب لا تُستخدم أبدا إلا كتهديدٍ ولا يذكرون أبدا أن حدث يوما واستخدمتها لضربهم بالفعل ,وكانت لديهم ثقة كبيرة أنها تحبهم ولن تؤذيهم أبدا .
مواقف وفاء الإنسانية كانت كثيرة بخلاف موقف الهاتف الإنساني
كان هناك موقف آخر مع هذه الطفلة التي مرضت أمها فكانت لا تستطيع تصفيف شعرها جيدا فتجلس وفاء
إلى جوارها دون أن يشعر أحد من الفصل بما تفعل وتصفف شعرها بيدها بكل رقة وحنان وتربطه لها أثناء الشرح
دون أن تجرح مشاعر الطفلة أو تلفت انتباه أحد من زملائها
لم تكن وفاء مجرد معلمة بل معلمة ومربية وإنسانة مرهفة الحس والشعور تؤدي رسالة تعلم قيمتها جيدا
ظلت هكذا حتى جاء ذلك اليوم بعد انتهائها من حصتها,و اتجهت لحجرة المدرسين
ماجدة : وفاء اذهبي لتقبضي راتبك
كانت وفاء تشعر بدوار عنيف في رأسها فحاولت أن ترفعها وهي تحدث زميلتها : بعد قليل ياماجدة لا استطيع النهوض
تدخل حنان مدرسة الموسيقى والتربية الرياضية وكل الحصص الترفيهية في ظل أزمة المدرسين
حنان : وفاء يمكنك أن تأخذي الحصة التالية في رابعة أول فأنا عندي مشوار مهم سأعود للحصة التالية
وفاء : لا ... لا استطيع أنا أريد العودة لمنزلي فورا ,ماجدة دعيني استند إليكي
ماجدة : تعالي, قومي
وفجأة اختل توازن وفاء وسقطت أرضا بين يدي زميلاتها
المدرسون جميعهم يلتفون حولها في ذعر
وفاء ماذا بكِ ماذا حدث لكِ ؟ ... أجيبي وفاء ... هل تسمعيننى وفاء
ردي علينا وفاء .... افتحي عينيكِ
كوب ماء يابنات ... اطلبوا الإسعاف ... وفاء لا تقلقي ستكونين بخير
كانت ملقاة على الأرض ولكن عقلها لا يزال يقظ ,عيناها مغلقة لكن أذنها سامعة ودارية بكل شيء .
كانت تتحدث إلى نفسها ,كيف أسقط هكذا ؟!كيف لم اتمالك نفسي؟! ماذا حدث لي ؟! كيف أنهار بهذا الشكل ؟!يارب ساعدني لأكمل رسالتي, لا أريد أن تكون نهايتي كنهايته
حتى أنني الآن أشارف على الثلاثين ,نفس العمر الذي تركنا فيه ورحل ,كانت صدمتي الثانية في حياتي هي وفاته ,كانت صدمة قوية وعنيفة
بعد صدمتي الأولى في وفاة أمي, كان نعم الأستاذ ونعم الأخ والأب الحنون والقوي الصارم الذي يعمل دوما على مصلحتنا ,كان شابا يافعا
قويا ، مرحا ، يملك شخصية قوية جدا ، متفائلا بشدة حتى أنه نقل لنا هذا التفاؤل, نقله لنا جميعا ونحن لا نزال زهورا تتفتح للحياة وأدمانا بكاءا
عندما رحل ,وهو لا يزال مقبلا على الحياة محبا لها أذكره الآن بملامحه وابتسامته الهادئة الرقيقة, بعينيه الضيقتين اللتين تحملان الصرامة والقوة
والحنان في ذات الوقت .. رباه لا أريد أن ألقى مصيره أريد أن أرى حصاد ما أزرع أريد أن يمتد بِي العمر لأرى تلاميذي يكبرون أمام عيوني
,وهم لا يزالون يحبونني ويحترمونني ويتأثرون بكل ما زرعته فيهم وينفذنوه في حياتهم أمام عيني, لا أريد أن أغرس جرحا في قلوب
تلاميذي ينزف ألما طوال حياتهم ,أريد أن أكمل رسالتي ورسالته التي حلفت أن أكمل دربها بعده على نفس نهجه وطريقته في التدريس بالحب والتربية
السليمة ،أصوات كثيرة تتداخل في أذني ، صوت بوق الإسعاف, ويوجد من يحملني, أنه النقال ,لا أستطيع ان أفتح عينَيي, أبدا لا أستطيع أن أحرك أطرافي,
ماذا حدث لي؟ ربما فقدت الوعي, ام مت . ربما أكون مت ... لا ليس الآن رباه ,أرجوك ليس الآن, لا يزال لديَّ الكثير؛ فأنا أحب مادة العلوم التي أدرسها
أحب ذلك الإبداع في شرحها ,وتلك الطرق المحببة في الشرح التي علمها لنا أستاذنا, أحب مدرَستي وتلاميذي
لا أريد أن اموت الآن يارب, أرجوك ليس الآن .. ليس الآن.. أشعر بحركة سير ,ربما سيارة الإسعاف تحملني
اشعر أنني انسحب ,روحي تنسحب إلى عالم آخر مجهول
**********************
هل لازالت أحيا بعالمي؟!
تساءلت وفاء ,وفي ذهنها ألف تصور لما حدث ,وفي قلبها شعور عميق بالخوف
ألازال بإمكاني أن أفتح عيوني للحياة؟ قد أكون غبت عن الوعي, قد أكون غفوت ثم أفقت, لابد أنني أفقت ,
ولكن لماذا لا أستطيع أن افتح عيوني او حتى أحرك يديَّ, أصواتا كثيرة تتداخل في رأسي
هذا صوت شقيقتي وهذا ابنها ,صوتها متغير بعض الشيء, يبدو أنها تبكي لأجلي ,ولماذا تبكي أنا لم أمت بعد؟!
ربما أكون في غرفة عمليات ,ربما لا ولكن الخوف يعتصرني وجهلي بما يحدث لي يزيدني خوفا ، أحدهم يمسك بيدي
إنها إبرة لم أشعر بعقارها, غرست بكفي, قد تكون هي السبب في هذا الدوار
فقط أريد أن افتح عينيَّ, أريد ان أعرف من حولي, إنها لا تفتح بل تتزايد ثقلا ,أنا ذاهبة إلى مكان آخر لا اعلمه .
لم أبلغ من عمري الكثير ولازلت أذكر أدق تفاصيل طفولتي ,وكأنها فقط كانت حياتي, وما بعدها لم يكن شيئا
ذا أهمية حتى أحتفظ به ؛كذكرى فذكريات الطفولة أحلى وأفضل
********
وفاء صغيرة تجلس في الفصل وحيدة ,فيدخل عليها أستاذها بابتسامته المعهودة وصوته المرح المميز في نطق إسمها :
وفاء .... لماذا تجلسين وحدك هنا؟ هذا وقت الراحة, لماذا لا تلعبين مع زميلاتك؟
وفاء : لا أريد
فيقترب منها أكثر : لماذا ؟!
وفاء : لا أريدهم أن يروني وانا أبكي
فيقترب منها أكثر ,ثم ينزل على قدميه ؛حتى يكون في مستوى عينيها وهو يسألها بحنان :
ولماذا تبكين ؟
وفاء : سافرت أمي لإجراء عملية, أنا أفتقدها كثيرا .. أخاف ألا تعود
فشاكسها بكف رقيق على وجنتها الصغيرة الناعمة : قومي ... قومي ، ستعود بإذن الله لا تخافي
فقط ادع ِ لها وستشفى بإذن الله
كان يقول كلماته ,وهو يضحك ولكن عينيه كانت تلمع بدموعٍ حبيسة مقلتيه
ثم تركها وخرج ,وبعدها نظر إليها من النافذة ,وهو يسير على أطراف أصابعه ,ويحاول أن يتخفى ,وهو يراقبها
وعندما لمحته ضحكت, فأشار لها بالخروج ؛فخرجت تلعب مع صديقاتها
كان هذا الموقف يدور فى ذاكرة وفاء وهي لا تزال مستلقاه في الفراش في المشفى
فقد التف حولها أهلها عندما دخل الطبيب المختص وطلب عمل الأشعة والتحاليل وهو يكشف عليها
ثم حقنها بعقار وقال انها ستنام قليلا حتى تظهر التحاليل ؛ونعرف سبب هذا الإغماء
ثم سأل أهلها :هل تكرر هذا من قبل؟ وقالوا :إنه تكرر ولكن ليس بهذا الشكل.
وهي لا تزال تواصل تفكيرها في ذلك الموقف الإنساني لأستاذها الذي أحبته كثيرا, كيف كان يواسيها في مرض أمها
,وكان قد فقد أمه منذ شهور قليلة .عندما فقدت هي أمها شعرت أنهما يشتركان في حزن علّمهما شيئا ما في هذه الحياة
لا يفهمه سواهما؛ لذا كانت تشعر أنها قريبة منه جدا دون جميع من عرفوه ومن صادقهم وعلمهم ,مجرد شعور كانت تصدقه وبشدة
تفيق وفاء من إغمائها لتجد أهلها كلهم حولها يحمدون الله على عودتها إليهم ؛فيطمئنونها بأنه مجرد إرهاق كما قال الطبيب
؛فهي ترهق نفسها كثيرا في العمل وكم نصحوها بأن تستريح ومثل هذا الكلام, فتحدق في وجه كل منهم وابتسامة واهنة ترتسم على شفاهها
ثم تعود لسباتها وتدخل ثانية في صور الذكريات والتي تأتيها في شكل أحلام
وفاء : استاذ هل ستأخذ الحصة القادمة ؟
الأستاذ : ومن عليكم فيها ؟
وفاء : تدبير ومجالات ومدرسة التدبير غائبة اما المجال فلا اعلم
الأستاذ : أذن اجمعي البنات إن أرادوا وتعالوا فصل خمسة ثاني عندي حصة هناك, إذا جئتم سأعقد مسابقة
وفاء, وهي تضحك : حالا , ثم تركض في فرح فتجمع صديقاتها المتميزات
يقفن على باب الفصل
الاستاذ : تعالوا يا بنات
نبدأ السباق ثلاث فرق الصف الايمن, والايسر, والبنات من فصل خمسة اول اتفقنا ؟
ثم يبدأ في الأسئلة ,وتجيب وفاء التي تمثل فريق البنات سؤال وراء الآخر
الاستاذ بنظرة إعجاب : هايلة ياوفاء
ثم يعلو صوت الجرس منذرا بانتهاء الحصة
؛فتركض وفاء وراء أستاذها ؛لتسأله هي بعض الاسئلة وتتناقش معه في إجاباتها ,ويلتف حولهم بعض زملائها وزميلاتها
,والأستاذ يضحك معهم, ويسخر من كلمة أحدهم, ثم يؤنب الآخر على عدم معرفته لأحد الأسئلة ,ويهنئ وفاء
ثم يزيد حماسهم قائلا :بأنها جولة أولى ولابد أن يأخذوا بثأرهم من البنات؛ فقد هزموهم على أرضهم في فصلهم؛ فيجب أن يردوا على هذه
الهزيمة في فصل البنات.
صور كثيرة تتداخل في ذهنها ,صورة تلك الرحلة ,إنها الصورة التي تحتفظ بها وتحافظ عليها بحرص شديد للغاية
فهي رحلتها الوحيدة التي ذهبتها مع المدرسة في طفولتها ,وكان يقودها هذا الأستاذ الذي هو مثلها الأعلى ,ومن حسن حظها أنها تمتلك مثل
هذه الصورة ذكرى؛ فقد كانت تجمع جميع المدرسين الذين شاركوا في الرحلة بما فيهم أستاذها وهو يمسك بكوب الشاي ويبتسم ابتسامته
المميزة التي تحمل براءة الدنيا وهي إلى جواره طفلة صغيرة و وراءها بعض زملائها ,صورة مميزة جدا كانت دائما ما تقول هذا
كلما طالعتها ,ويأتيها شك أن يكون أستاذها قد ميزها بهذه الصورة واختصها بها, فأهم شيء بالصورة هو وضوح ملامحه بها.
تذكر جيدا يوم الرحلة ,كان مطرا شديدا ,واستيقظوا مبكرا ؛فكان عليهم الرحيل في تمام الساعة السادسة صباحا
كان هو مدير الرحلة وصاحبها ,والعامل علي ترفيه الجميع ,وتوزيع المأكولات ,والمشروبات
والشرح لكل مكان يذهبون إليه ,يوما لا تنساه ابدا, ولا يُمحى من مخيلتها بكل تفاصيله الصغيرة والكبيرة
وتذكر أيضا يوم دخل الفصل واستأذن من أستاذ الحصة واختصها بإحدى الصور
إنها تلك الصورة التي لا تزال تحتل مكتبها في مكان وكأنه مخزن للذكريات القديمة
تفيق وفاء من سباتها, وسيل الذكريات الذي تدافع بذاكرتها ,فتجد شقيقتها إلى جوارها
بابتسامتها الحانية : حمدا لله على سلامتك ياحبيبتي
وفاء : تسلمي لي يا منال .. هل ظهرت نتيجة التحاليل ؟
منال : لا لم تظهر بعد, قالوا :إنهم سيأتون بها الآن لا تقلقي .
وفاء : لست قلقة ولكن لا اريد أن أبقى هنا أريد ان أذهب إلى بيتي ومدرستي وتلاميذي
منال : كنت سأنسى ,جائت ماجدة سألت عليكي وكان معها زملائك مدرسين ومدرسات ولم يذهبوا إلا بعد أن طمأنتهم عليكِ
تبتسم وفاء : فيهم الخير
فتناولت منال من وارئها وردة حمراء جميلة ثم أعطتها لها : وهذه لكِ
وفاء وهي تنظر للوردة متفاجئة : من أين هذه ؟
منال : طفلة صغيرة يبدو أنها تلميذتك ,لا أظنها اكثر من عشر سنوات
ترقرقت عينا وفاء بدمعات صغيرة وهي تمسك بالوردة وتضمها إليها : إذا جاءت ثانية دعيها تدخل أريد أن أراها
فجأة سمعا صوت طرقات على الغرفة؛ قامت منال لترى من؛ فوجدته الطبيب؛ فخرجت منال ,وهي تبتسم الى وفاء :
دقائق وسأعود
ثم التفتت إلى الطبيب : خير يادكتور؟
الطبيب وترتسم على وجهه ملامح الأسف والأسى : أنا أدرت أن أبلغك أنتي ؛فلا يجب أن تعلم هي بهذا الشيء
حتى لا تنهار معنوياتها .
في هذه الاثناء شكت وفاء بالحديث الذي يدور خارج الباب ؛فقامت من فراشها واتجهت نحو الباب وسمعت همهمات أختها مع الدكتور, لم تفسر شيئا
إلا أن الحزن في صوتيهما كفيل بأن تفهم القصة ؛ففتحت الباب:
تكلم أيها الطبيب ,ها أنا ذا أمامك, أقوى مخلوقة يمكن أن تعرفها بحياتك؛ فما مر على رأسي ليس بقليل
ولن آتي الآن وأستسلم للموت ,تكلم أريد أن اعرف حقيقة مرضي
نقل الطبيب نظره بين وفاء وشقيقتها ثم قال في حسم : نعم لا يجب أبدا أن تستسلمي للموت ولمرضك مادام له علاج,
صحيح أنه مرض خطير ,ولكنك واعية ومثقفة ومعلمة أيضا فأنتي قدوة لتلاميذك وهذا درسا آخر يجب أن تعلميه لهم
بقوتك وتحديك
وفاء : أؤكد لك أنني بهذه القوة بالفعل ولكن ما مرضي؟
الطبيب :أنتي مريضة بورم خبيث ويجب استئصاله فورا
وفاء : وكأنها لم تفاجأ أبدا بالمرض .. معنى هذا أنني سأبقى هنا حتى إجراء العملية ؟
الطبيب : نعم فكلما كان اسرع كلما كان افضل
وفاء وماذا لو رفضت عمل هذه العملية ؟
الطبيب : معناه أنكِ تستسلمين بالفعل للموت
وفاء : وماذا لو مت أثناء العملية ؟
الطبيب : العملية ناجحة بإذن الله ,فهي نجحت في حالات كثيرة جدا, تفائلي وتمسكي بالحياة .
وفاء : وفشلت في حالات أخرى كثيرة ايضا .
تركته وفاء لتدخل حجرتها وتغلق الباب خلفها ,وهي تحدث نفسها
أنا لا أخاف الموت ,لا أخافه ابدا ولكن ليس الآن؛ لم تكتمل رسالتي بعد ,حتى تلاميذي لم تسعهم الفرصة ليعرفوني جيدا.
ليتعلموا مني, لم أؤثر فيهم بعد
تصمت؛ لتفكر قليلا ,ثم تعود لتفتح الباب وتتجه نحو الطبيب:
دكتور ,إذا وافقت على العملية ,متى ستكون ؟
الطبيب: في البداية يجب أن نجهزك لها ,وهناك علاجات لمدة اسبوع
وفاء : هل يمكنني أن أذهب إلى منزلي الآن واتبع تعليماتك به ؟
الطبيب : يمكنك ذلك بالطبع وأنا سأتابعك بنفسي
وفاء : اشكرك
عادت لحجرتها تلملم أشيائها في سرعة وتنادي أختها :
هيا يامنال أريد أن أخرج من هذا المكان؛ أمامي أسبوع واحد أعيشه خارج هذا السجن الأبيض
*************************
بمجرد دخول وفاء لحجرتها بالمنزل فتحت مكتبها وأخرجت ذلك الصندوق الصغير
صندوق الذكريات وأمسكت بتلك الصورة ,ثم بكت
سامحني فلم استطع إكمال رسالتك ,يبدو أن هذا العالم ليس لنا
جلست على فراشها ثم استلقت إلى الوراء؛ وهي تمسك بالصورة
,وتشرد بخيالها إلى مكان آخر وزمن آخر بعيد, ذاك اليوم الحزين كان وقت الخروج من المدرسة
ولكنه لم يكن مشهد عادي ككل يوم دراسي وإنما كان أقرب إلى مشهد انتظار الجنائز
الفتيات يقفن بجوار بعضهن في صمت وحزن خارج أسوار المدرسة يملأن الشارع ,
والصمت والذهول يعم المكان ,حتى صوت نحيبهم لم يكن مسموع
أحد المدرسين في المدرسة الإعدادية : دعاء ,تعالي, لماذا تبكي كل هذا البكاء ولماذا تبكون جميعكم ؟
دعاء بين دموعها وصوتها المخنوق: أستاذ محمد, أستاذنا للعلوم في الإبتدائي
الأستاذ : عرفت .كان أستاذكم إذن ,أعلم أنه محبوب من كل من عرفه ,ولكن كيف جعل تلاميذه يحبونه
إلى هذا الحد, عجيب شعوركم .
دعاء : لأنه كان يحبنا ايضا
ثم أجهشت بالبكاء ... في هذه الأثناء كانت وفاء تخرج من باب المدرسة وهي مرتدية الزي المدرسي ؛لا تزال
طالبة فى الصف الثاني الإعدادي ,خرجت وهي تمسك بيد صديقتها حنان وهي تضحك ومنتشية
فقد كان هذا أول يوم في الدراسة وهذا يعني أنها أخيرا يمكنها رؤية مدرسيها القدامي فقد تعودت على زيارتهم
كل عام
وفاء : أتعلمين هذا أفضل مدرس رأيته في حياتي, صدقيني هو اسطورة, أنا واثقة أنه لايزال يستخدم أسلوبه الشيق في التدريس, عندما أكبر سأصبح مدرسة وأفعل مثله وأبدع في تعليم تلاميذي
وأحتويهم وأتفهمهم ,سأقول له هذا, اليوم
حنان : هل انتي ذاهبة له الآن في مدرستك الابتدائية ؟
وفاء : نعم بالطبع, أنا لم أفوت فرصة أبدا حتى أراه وأشكره على ما فعله معنا؛ فأنا فخورة أنه أستاذي
ولا أزال أتعلم منه ,حتى بعد وصولي لهنا ,وكنت أذهب إليه باستمرار ,عندي شوق كبير إلى مدرستي ومدرسيّ جميعا وهو بالأخص
حنان : هل يمكنني أن آتي معك ؟ فقد شوقتيني لرؤيته, عندي فضول أن أعرفه
وفاء : بالطبع, هيا بنا
خرجا من باب المدرسة ,يمسكان ببعضهما وعلى وجوهيهما ابتسامة كبيرة حتى لمحت وفاء صديقتيها دعاء وهيام تبكيان
وفاء : دعاء, ماذا بكِ؟ ماذا بكما ؟؟ لماذ تبكين انطقي؟ ولماذا كل البنات يبكين؟ ماذا حدث ؟؟
اختنق صوت دعاء ,فمسحت هيام دموعها وهي تحاول أن تهدأ قليلا ,وهي تقول :
كنت ذاهبة أنا ودعاء كما اتفقنا معكِ لمدرستنا ؛فسمعنا البنات يقلن إن الأستاذ محمد سامي قد مات
بهتت وفاء ,وهي تنظر إليهما بعدم تصديق : كيف هذا, أتمزحين ؟
بالتأكيد هناك خطأ, أنا ذاهبة إلى هناك الآن وسأراه ,وحنان تريد أن تذهب معي لتراه
حنان تعالي معي ,سنراه ياحنان
وقفت حنان صامتة ومذهولة ,تنظر لوفاء بشفقة وتحاول تهدئتها ,ولكن وفاء ابعدت يد حنان عنها
ثم تابعت كلامها ,وهي تنظر لدعاء : لقد رأيته الأسبوع الماضي فقط , كان يسير هنا ,بنفس هذا الشارع
كان راكبا دراجته ,ويسوقها بسرعة ,وهو يضحك ويسابق صديقه, كان في غاية السرور, ومقبل على الدنيا يضحك لها ,
ويضحك من قلبه, كيف مات ؟!
دعاء : نعم مات ياوفاء, لقد كان مريضا ويعاني من مرضه منذ فترة حتى أيام دراستنا عنده كان مريضا بنفس المرض
ولكن حالته ساءت وحاولت أخته أن تتبرع له بكليتها ,ولكنها لم تكن تصلح لذلك, وفات الوقت ومات
هو فقط كان متماسك ومتفائل ,مؤكد أنه كان يعلم أن عمره قصير
لم تسقط دمعة واحدة من عيون وفاء ,وهي تنظر بعدم تصديق , ثم تبتسم نصف ابتسامة ,وهي تنظر حولها :
أنا لا أصدق ما تقولين, أنا ذاهبة إليه الآن ,إنه دون الثلاثين, أعتقد أنه سيكملها هذا العام
هيام : نعم يقولون إن عمره ثلاثون عاما, ولكنه مات
صمت كئيب يخيم على المكان كله ,وذهول المدرسين والطلبة الواقفين بجوار أسوار المدرسة وعلى جوانب الشارع يرتسم على وجوههم فى وضوح
الجميع ينتظر مرور جنازته ليسيروا في موكبها مودعين شابا رائعا أحبه كل من عرفه ,وكل من تعلم منه حرفا أو كلمة
وظهر الموكب ,وكانت وفاء لا تزال واقفة بعدم تصديق تتمتم مع نفسها
كيف يموت ؟ الشباب لا يموتون ,لا أحد يمرض ويعاني كل هذه الآلام في هذا السن الصغير ,إنه لم يتزوج بعد
لم يعش الحياة بعد ، لازلنا بحاجة إليه, كيف يتركنا ؟
لماذا دائما ما يخلو عالمنا من الأناس الرائعين, فهم دوما يرحلون بسرعة ,ووجودهم في حياتنا كطيف أو
ضوء يومض سريعا وينطفئ, ولكننا لا ننسى أبدا ومضته كيف كان تأثيرها على عيوننا ,وتأثيره هو كان على حياتنا كلها
لماذا كل من نحبهم يخطفهم الموت مبكرا قبل أن نروي عطش شوقنا واحتياجنا إليهم؟
ترى هل إذا ذهبت إلى المدرسة الآن لن أراه ؟ أنا لا أصدقهم جميعا ,لا أصدقهم أبدا, قد يكون مدرسا آخر غيره
قد يكون تشابه في الأسماء ,ولكن بالتأكيد ليس هو .في الشارع المقابل على مدّ البصر كانت تسير الجنازة
بمجرد أن تحرك المدرسون إليها ركضت خلفهم الفتايات ليودعن أستاذهم
هيام منادية وفاء : هيا يا وفاء, تعالي معنا الجنازة
وفاء : جنازة من؟ الأستاذ لم يمت. ألم تفهمي بعد؟
سارت وفاء بعكس الطريق متجهة إلى المدرسة الابتدائية, وهي تركض بكل قوتها وكأنها تأكل المسافات أكلا.
وعلى بابها كانت الصدمة القوية رأت المدرسات ,يرتدين السواد ,وعيونهن دامعة ,وهن واقفات ,يراقبن سير موكب الجنازة
الآن عرفت أنها إذا مرت إلى الداخل فلن تجده هنا ,هو هناك على الطريق الآخر يسير موكبه إلى مثواه الأخير
وقتها أجهشت وفاء بالبكاء و وقعت أرضا على ركبتيها ,وسقطت منها حقيبة كتبها
وظلت تبكي في مرارة
أفاقت وفاء على صوت أختها : وفاء هل نمتي ؟
قامت وفاء ومسحت دموعها : لا يا منال, تفضلي
منال : يجب أن تستريحي قليلا ,سأعد لكِ الطعام
وفاء : لا تقلقي سأستريح ,وسأهتم بنفسي وبالأدوية ,لا تقلقي لا أريد أن أذهب بسرعة كما ذهب الآخرون, لا أريد أن أترك الحزن والقهر في نفوس تلاميذي
فنظرت منال إلى الصورة التي بيدها : ألازلتي تذكرينه ؟
وفاء: نعم وأذكر معه أحلى المواق, وأكثرها حزنا أيضا
منال : دعكِ من هذا ,صديقتك بالخارج لم تُرِد إزعاجك؛ فظلت بالخارج, تريد فقط الاطمئنان عليكِ
وفاء: صديقتي من؟
خرجت منال لتناديها فعندما دخلت من الباب قامت وفاء واحتضنتها بعنف
دعاء أين انتي يا رفيقة عمري
دعاء: وفاء حبيبتى افتقدك كثيرا كثيرا وافكر فيكِ طوال الوقت ,أنتِ تعلمين, العمل أخذنا من بعضنا البعض
وفاء : اجلسي ,تعالى .. أتذكرين عند أول تعييننا معا في مدرسة واحدة ؟وكيف حضرنا امتحانات الشهر وطبعناها
ووضعنا صورة الأستاذ محمد عليها وفاءً له؟
دعاء : نعم كانت أياما رائعة ,هل تذكرين كيف قررنا دخول نفس كليته والتخرج منها ,وياللعجب يكون تعييننا في نفس المدرسة التي تعلمنا فيها ولكنني للأسف نقلت بسبب الزواج.
وفاء : وكيف حال زوجك و ابنتك الرائعة
دعاء : بخير حبيبتي , قولي لي ألا يوجد خبر عن حاتم؟
ارتبكت وفاء ثم نظرت بعيدا وصمتت
دعاء : وفاء أنا اسفة ,فقط كنت أسأل ألم يبعث إليكِ بخطاب أو يتصل؟
وفاء : لا,هو تركني ورحل, و فقط
دعاء : لا تحمليه الذنب يا وفاء, لم يكن بيده شيء, ليس لديه إمكانيات, وهو رجل بحق ,هو سافر لأجلك
برأيك هل راتب مدرس في هذه الأيام يمكن أن يفتح بيتا حتى وإن كنتِ تعملين أيضا ؟
وأنتِ تعلمين كيف أنه صاحب مبدأ لا يفرق عنكِ شيئا ويرفض الدروس الخصوصية رفضا بتا
وفاء : أعلم ذلك ولكن ألم يكن هناك حلا آخر سوى السفر؛ كنت بحاجة إليه يادعاء
ثم ارتمت في أحضان صديقتها وهي تبكي
دعاء : لا تبكي حبيبتي طمئنيني عليكِ. ماذا حدث لكِ في المدرسة أمس ؟
وفاء : ظهر أن معي ورم خبيث يا دعاء ,وسوف أجري عملية جراحية بعد أسبوع .
صمتت دعاء وهي تستقبل الخبر شاردة : قلتِ ورم ؟ وستجري العملية ؟
الحالة ليست متأخرة, أليس كذلك ؟
وفاء : أعتقد ذلك ... ولكن لا عليكِ .هل تذكرين كيف كان الأستاذ محمد يتحمل آلامه ويقف في الفصل كالأسد؟
لم نعلم أبدا أنه مريض إلا عندما مات -رحمه الله وطيب ثراه-
دعاء :ولماذا هذه السيرة الآن؟
وفاء : أنا لا أتشائم مثلك ,وأستمتع كثيرا بالحديث عن الأموات
دعاء : دعكِ من هذا الحديث وقولي لي هل ستأخذي إجازة ؟
وفاء : نعم ولكني سأذهب إلى المدرسة غدا .
دعاء : هل جننتِ ؟
وفاء: لماذا ؟ هذا عملي, دعيني أنهل منه ,يجب أن أعود للمدرسة غدا ليراني تلاميذي من جديد, أريد أن أرى ذلك الشعور في عيونهم ,حبهم ,وخوفهم عليّ, و أرى سعادتهم بعودتي إليهم.
************************
وفاء وهي تستعد للنوم :
منذ وقت طويل لم ننم معا في فراش واحد
منال : نعم لقد اشتقت لهذه الأيام, هيا سأطفئ النور.
وفاء : أحلى شيء هو النوم بين أحضان أختي الحنونة ,وفي فراشي ,وحجرتي الصغيرة
******
كانت وفاء تسير مع صديقتها في ذلك الشارع القديم شارع المدرسة :
كذب يا دعاء الأستاذ محمد لم يمت ,صدقيني, لماذا لا تصدقي ؟
دعاء :يا وفاء صدقي أنتي أنه مات, أظن كان لابد أن تسيري في جنازته حتى تصدقي ذلك ,هكذا سمعت.
ما رأيك لو تذهبين لزيارة قبره؟
وفاء: أي قبر؟ انظري ها هو هناك, يركب نفس الدراجة الذي رأيته بها, انظري, عرفتِ أنه لم يمت ؟
دعاء : مستحيل ,إنه هو بالفعل, إنه آتٍ نحونا
وفاء : انظري ,ينظر لنا ويبتسم نفس ابتسامته الهادئة الحنونة المتفائلة
دعاء : احترسي يا وفاء, إنه يتجه نحوك ,سيصدمك, احترسي
انتفضت وفاء وهي تصحو من نومها فجأة : ها
منال : وفاء ما بكِ ؟ هل رأيتِ كابوسا ؟
وفاء : لا أدري ,مجرد حلم ومر على سلام
*****************************
ذهبت وفاء إلى مدرستها ,لم تصدق نفسها وهي تقف أمام الباب ,لم تصدق أن القدر أمهلها وأعطاها فرصة ؛لتعود لهذا المكان من جديد تمارس
عملها ,وترى تلاميذها مرة أخرى حتى وإن كانت آخر مرة ,وعند وقوفها على هذا الباب تذكرته كيف كان يقف هنا ليعاقبنا على التأخير ,ويهددنا بالعصا
"عزيزة"
كما كان يطلق عليها ويكتب عليها اسمها واسمه واسم فصلنا ,كان يهددنا نعم ,ولكن لا أذكر أبدا أنه نفذ هذا الوعيد ,وكنا نحن نثق به دائما أنه لن يفعلها أبدا..
شردت وفاء وهي تفكر كيف كان يشعر وهو مريض ؟
هل شعر أنه أكمل رسالته ,واستسلم لقدره أم كانت داخله رغبة شديدة في العودة لهذا المكان .. مدرسته وعمله وتلاميذه الذين ينتظرونه؟
كرغبتي الآن تماما في العودة لعملي الذي أحبه
دخلت وفاء المدرسة وكأنها تراها لأول مرة ,تريد أن تشبع عينيها من كل ركن ,وزاوية, وفرد تحبه فيها,تملأ عيونها بكل شيء حتى عندما
تستحيل الرؤيا لا تندم على أنها لم تنتهز هذه الفرصة ,وعندما لمحها الاطفال وهي تدخل من الباب تدافعوا عليها ,وهم يركضون نحوها وينادونها :
آنسة وفاء .... آنسة وفاء
وعندما رأتها إحداهن ذهبت بسرعة إلى فصلها ,وفتحت حقيبتها ,ثم أخرجت وردة حمراء تشبه تماما تلك التي أهدتها بالمشفى.
التقطتها الطفلة , ثم ركضت في سرعة إلى أستاذتها التي سلمت على كل تلاميذها وتلميذاتها وقبلتهم ولدا ولدا وبنتا بنتا
ولم تترك منهم أحدا, لم تشعر بالملل أو الإجهاد ,وهي تسلم عليهم وتقبلهم وتحتضنهم ,ثم ذهبت لحجرة المديرة, والمدرسون يوقعون على حضورهم ,فدخلت ألقت السلام ثم وقعت وسط ذهولهم جميعا ثم ما لبثوا أن اتجهوا نحوها جميعا :
حمدا لله على سلامتك ياأستاذة ,ألف سلامة
ماجدة : وفاء كيف تأتين المدرسة اليوم؟ أنتي مريضة وتحتاجين للراحة .
وفاء : هذه راحتي, لا تقلقي
خرجت وفاء لتشارك في تنظيم الطابور وتراجع جدولها , عندما أتتها هذه الطفلة تحمل الوردة الحمراء بيدها : تفضلي آنسة
نزلت وفاء على قدميها لتكون في مستوى الطفلة , أخذت من يدها الوردة وهي تنظر لعينيها مباشرة : أنتي يا أمل من أتيتِ
إلى المشفى أمس وأهديتِني واحدة مثلها ؟
قالت أمل في خجل : نعم آنسة
فاحتضنتها وفاء وقبلتها : شكرا يا أمل ,شكرا يا حبيبتي
ثم وقفت, وهي تمسك الوردة ,وترتسم على شفاهها ابتسامة هادئة واثقة كلها حيوية وتفاؤل, تخفي ورائها سعادة كبرى
سعادة النجاح
كل من سار على دربك يا أستاذي لا بد أن ينجح ,ويصبح محبوبا مثلك.
*****************
حنان وهي تمسك بالجدول : إلى أين ياوفاء ؟لديكِ حصة .
وفاء : نعم سآخذها في المعمل. أخبرت الأولاد ,وسأسبقهم إلى هناك.
دخلت وفاء المعمل وراحت ترتب كل ما ستحتاجه في شرح التجربة ,كان هناك شيء ناقص, حاولت أن تبحث عنه ,كانت هناك خزانة كبيرة
يوضع فيها هذه الأدوات؛ فذهبت ؛لتفتحها ,ولكنها لم تستطع ,كان معها المفتاح ولكنها لم تستطيع فتح الخزانة.
شعرت بدوار في رأسها ,استندت إلى سطح المنضدة ,ثم جلست على المقعد ,وهي تمسك رأسها حتى سمعت أحدا يناديها
انتبهت للصوت, نظرت نحو الباب ,لم تجد أحدا, ولكنها سمعت النداء يتكرر ,وإنه ليس نداءً عاديا , إنه هو من يناديها
كذبت نفسها وهي لا تستطيع أن تمنع نفسها من حالة الارتباك والخوف التي أصابتها ,سمعت صوت وقع أقدام عند الباب؛ حاولت أن تقوم
,تثاقلت قدماها؛ فحاولت مرة أخرى ,وأخيرا وقفت ولكنها لم تستطع السير؛ شعرت بذلك الدوار ثانية؛ فجلست تمسك رأسها
,وتكاد تبكي من الألم .أخفت وجهها بكفيها ؛محاولة السيطرة على الألم, و إذا بها تسمع الصوت بجوار أذنها مباشرة ,نفس الصوت المرح ,
صوته هو بنفس طريقته ,وهو ينادي اسمها : وفاء .
رفعت عينيها فورا ؛فلم تجد أحدا ؛شعرت أنها سوف تصاب بالجنون بعد دقيقة واحدة .. حاولت أن تقوم للمرة الثالثة ,ولكنها سمعت صوت
أقدام تلاميذها ,يركضون نحو المعمل لبدء حصتهم ؛حاولت أن تتماسك أمامهم ؛حتى لا يلحظون تعبها ,وفي رأسها ألف سؤال :
رباه ,ماذا يحدث معي ,هل هذه الأدوية التي تجهزني للعملية الجراحية هي ما سبب لي هذه الحالة ؟
ربما , بالتأكيد هي السبب, تصور لي أشياءً غير حقيقية .
نصحوني كثيرا أن أنسى أستاذي ولا أجعل ما حدث له يؤثر فيّ كثيرا حتى يغير مجرى حياتي ومستقبلي ,العجيب أنه غيرني أنا تماما
حلمت حلمه ,وعملت عمله ,وعملت بمدرسته .ماذا بعد؟! أن اموت فى مثل عمره ؟!
لا, أنا لم أفعل كل هذا حتى أموت. أنا فعلت هذا حتى أكمل مشواره, تأخرتُ كثيرا لقد صار التفكير فيه جزءا كبيرا من حياتي
ثم أفاقت من شرودها على نظرات تلاميذها القلقة المتوترة والخائفة
فابتسمت ,وهي تطلب من أحدهم أن ينادي العامل ؛حتى يفتح الخزانة ,ثم بدأت الحصة بكل همة ونشاط وكأن شيئا لم يكن .
******************
انتهت وفاء من عملها في ذلك اليوم الدراسي المليء بالأفكار والأحداث الغريبة ,واتجهت للفناء مغادرة المدرسة, وهي تودع تلاميذها وزميلاتها ,وعند الباب كانت المفاجأة
حاتم؟
همست بها وفاء عندما تلاقت عيناها مع عينيه المتشوقتين والمليئتين بحنان الدنيا وحزنهما ، نظهرت إليه ,وهي مذهولة ,وفي عينيها نفس نظرات الشوق والحب
والحزن مضافا إليهن العتاب والألم ، أفاقت من نظرتها مفسحة له الطريق ,وهي تسرع بخطواتها مبتعدة
عنه بكل ماتملك من سرعة ,وكأنها تركض هروبا من أن تأتي عيناها في عينيه مرة أخرى ؛فتضعف قواها وتسقط بين يديه تشكوه الألم والعذاب والحرمان
و وقف حاتم صامتا تترقرق الدموع في عينيه ؛وهو يتساءل ترى هل ستسامحنى ؟
*********
وصلت وفاء إلى منزلها منهارة و أغلقت باب الحجرة على نفسها ثم ارتمت على فراشها
وانخرطت في بكاء حار وهي تحدث نفسها :
لما أتيت ؟ تركتني فجأة وسافرت والآن تعود وأنا مريضة ضعيفة أنتظر الموت؟
أي امرأة محطمة أحببت ؟ وأي رجل أنت حتى أحبك إلى هذا الحد ؟
*************
داخل مكتب المديرة
حاتم: نعم سيدتي هذه الأوراق المطلوبة
المديرة :نعم حاتم كل شيء على ما يرام ,يمكنك تسلم العمل ابتداء من الغد
حاتم : أشكرك كثيرا ,اسمحي لي بالانصراف
المديرة : تفضل
خرج حاتم من المكتب بينما كانت ماجدة منفعلة وهي تتسائل:
هل سيعود للعمل معنا هنا ؟
المديرة : نعم يا ماجدة هل لديكِ اعتراض ؟؟
ماجدة :سيكون صعبا على وفاء ,هي في الأصل مريضة
المديرة مقاطعة : ليس لنا دخل بالأمور الشخصية ,هذه مدرسة ,وهذا عمله
************************
كانت وفاء جالسة في حجرتها ,تمسك ببعض الأوراق على مكتبها الصغير ,وبعض الصور من ذكرياتها
عندما دخلت منال ؛لتطلب منها أن تأتي ليتناولا طعام الغذاء معا ,فأخبرتها بأنها ستلحق بها بعد أن تؤدي صلاة العصر ,وخرجت منال متجهة للمطبخ لتحضر الأطباق ,التي كانت تتناولها منها ابنتها الصغيرة ,وابنها يرتب
المائدة ,بينما كانت وفاء تتوضأ فشعرت بدوار عنيف وكادت تسقط ؛فاستندت إلى الحائط ؛وهي تنادي أختها
جاءت أختها مسرعة وأمسكت بها وهبطت بها على الارض واحتضنتها ,وهي تحاول أن ترفعها لتأخذها إلى فراشها
وقتها أيقنت وفاء أنها النهاية, ولم يعد بإمكانها أن تقاوم أو تكابر أكثر من ذلك لتذهب إلى المدرسة وتستمتع
بلقاء تلاميذها ,ولتمارس عملها, وهي ثابتة ومتمكنة من أدواتها ، انتهى كل هذا للأسف حتى أنها لا تستطيع النهوض والوقوف على قدميها ,طمأنت نفسها بأنها ودعتهم بما فيه الكفاية ؛فلا تحلم بأكثر من ذلك
حملتها منال إلى غرفتها ,وهي تتصل بالطبيب ,وعندما أتى أخبرها بأن الحالة تتأخر ولابد من إجراء العملية
الجراحية فورا ودون أي تأخير .
وقتها أيقنت وفاء أنه لايمكنها أبدا التحكم في موعد النهاية,و مهما حاولنا أخذ فرصة لنشبع أنفسنا وعيوننا ممن حولنا ،مهما حاولنا إشباع الشوق بروحنا عند توديعهم فلن ننجح أبدا لأن هذا الإشباع المزعوم يزيدنا شوقا ورغبة فى الحياة
*******************
جلست وفاء في فراشها بالمشفى ثم طلبت من شقيقتها قلما وأوراقا وراحت تكتب لكل شخص عرفته
رسالة تحرق القلب ثم تعود لتمزقها ,ظلت هكذاحتى كتب بالفعل لكل من عرفتهم ,حتى أنها كتبت رسالة لتلاميذها ,وراحت تفكر ترى كيف سيستقبلونها ؟وتخيلت لو أن أستاذها كتب لهم رسالة وداع ؟ كانت ستحبه أكثر ,وتقدر دوره ورسالته أكثر ,وكانت ستبكي وتتألم
أكثر وأكثر وأكثر
ولكن الألم شيء لابد منه ؛فهذا موت, لابد أن يتبعه ألم؛ فلا توجد مصيبة أكبر منه تستحق الألم والحزن
انتهت من الكتابة و وضعت الأوراق تحت وسادتها ثم قامت لتصلي وبعد أن انتهت استلقت على فراشها بقلب مطمئن
وفاء : أستاذ محمد ؟
الأستاذ : وفاء ,كيف حالك يا فتاة, يا شقية .
وفاء : أستاذ ألم تمت ؟؟
الاستاذ : بلى ....
وفاء : وكيف أراك إذن ؟؟
الأستاذ:الأرواح تتلاقى ياوفاء ...ما فعلتِه كثير جدا فأنا لا أستحق أبدا كل هذا.
كانت وفاء تجلس في أرض خضراء واسعة ,ومعها أستاذها يرتدي ملابسا ناصعة البياض و وجهه يملؤه النور
أجابته : لا يا أستاذي ,أنت تستحق أكثر وأكثر
الأستاذ : اطمئني ,وفاؤكِ سيرد إليكِ ,وسيظلون يتذكرونك ِ إلى الأبد, اطمئني
ثم نهض من أمامها
وفاء : إلى أين يا أستاذ ؟ تعال, أريد أن أتحدث معك يا أستاذي
ولكنه لم يجب ولم يلتفت إليها
سمعت وفاء بعض الطرقات على الباب ؛فأفاقت ,وأدركت أنه مجرد حلم
وفاء: أدخل
فتح حاتم الباب ,وهو يدلف إلى الحجرة : وفاء ألف سلامة .... كيف صحتك الآن ؟
وفاء : حاتم ؟ ، لماذا أتيت ؟؟ أتأتي الآن وأنا ذاهبة ؟؟
حاتم ,وهو يجلس على مقعد بجوار فراشها ,وهو يمسك بيديها :
لا يا وفاء, لا تقولي هذا, أرجوكِ
وفاء ,وهي تفلت يديها منه : هذه هي الحقيقة ,تركتني فجأة وسافرت ، جرحتني وجعلتني أتألم من الفراق والوحدة والإحساس بالضياع,
وبررت سفرك بسخافات الظروف ,والماديات ,وانت تملك عملا جيدا
قاطعها حاتم : نعم ,ولكن عمل بملاليم ,هل كان سيكفي راتبي لنبني حياتنا ؟ أم كنتِ تريدينني أن أعمل في الدروس الخاصة و أمد يدي لطلبتي
آخذ منهم حق تعليمي لهم ,ويشعر كل طالب أنه مصدر رزقي ,تصوري أنتِ كيف كان سيكون حالي وقتها ؟كيف أضع عينيّ في عيونهم ؟كيف أشعر بوقاري كمدرس لهم؟؟
أستاذهم الذي يسقيهم العلم والمباديء يمد يده إليهم في المساء, كيف يا وفاء ؟ أنتي من تفهمينني جيدا ,كيف لا تستطيعين فهم سبب سفري حتى الآن
وأنتي تعلمين كم أحبكِ وكم تعذبت لفراقكِ, وكنت أحاول أن أبني مستقبلنا معا
وفاء : أي مستقبل ,هل أمّنت المستقبل الآن ؟؟ إذن احياه بمفردك ؛فسأذهب أنا هذه المرة ,وسأتركك فجأة أيضا حتى أنني سأكون أول المتفاجئين
وضع حاتم يده على فمها لإسكاتها : كفى يا وفاء ,أرجوكِ .. كفّي عن هذا الحديث المقبض ، أنا أيضا شعرت بالمرارة والحزن والألم والاشتياق
مضافا لكل أحاسيسك تلك إحساس الغربة وأنا في بلد غريب و وحيد هناك, ليس لديّ شيء أفعله سوى العمل حتى أعود إليكِ وأراكِ
مرة أخرى
وفاء : كف عن هذا الهراء يا حاتم؛ فلم يعد يفيد .وقتها كان وجودك إلى جواري يكفيني ,وغربتك التي تتحدث عنها كان أصعب منها غربتي أنا في وطني وبين أحبائي
ثم انخرطت في البكاء فأمسك بيديها ,والدموع تنهمر من عينيه : ستشفين يا وفاء بإذن الله وستعودين إليّ لنتزوج ونكمل طريقنا معا ,لقد أصبحت مدرسا معكِ بنفس المدرسة
ولا يمكنني أبدا أن ابتعد عنكِ يا حبيبتي صدقيني ، أنا أحبك كثيرا .
ثم اقترب أكثر وجلس على طرف الفراش : نظرت لعينيه مباشرة ,وهي تقول : لا أحد لا يخاف الموت ولا أحد يرغبه خاصة أنا
كنت مملؤة بالحياة ,وأحلامي تملأ رأسي ,وأفكاري تتجدد يوما بعد يوم ,رغم كل هذا فإن أكثر ما أخاف عليه تلاميذي و أشعر بالأسى لحجم الألم الذي سيعانونه تماما مثلما عانيته من قبل
أنا وهبت حياتي كلها وأفكاري وعملي وحلمي لأستاذي ؛تكملة لمسيرته , أذكر أنني كنت أتمنى أن أصبح مهندسة أو صحفية مشهورة
لم يكن هدفي أن أكون مدرسة علوم ,تبدلت كل أحلامي بعد وفاته ,رغبت في تكملة مشواره وتوصيل رسالته لأجيال لم تعرفه
كم افتقدته في كل مراحل حياتي التعليمية ,حاولت أن أكون صورة منه في طريقة تدريسه ,وحبه لتلاميذه ,وطريقة تعامله مع الناس
أردت أن يتعلموا مثلما تعلمنا, كنت أشعر حقا أنني أؤدي عملا ذا قيمة, أحبب أطفالا في العلم ,وأوصل إليهم المعلومة بشكل جديد
ومختلف يجعلهم يستمتعون, وهم يدرسون ,ولا يشعرون بالملل أو التعب تماما مثلما كان يفعل هو, كنا في غاية السعادة في حصته
أثناء اليوم الدراسي, وحتى ونحن نستذكر دروسنا في البيت. وأنا الآن ألقى نفس مصيره .
ضمها حاتم إليه : أعلم حبيبتي وأشعر بكل ما تعانين, لا داعٍ لكل هذا التشاؤم ,بإذن الله ستعودين لتلاميذك لتكملي رسالتكِ معهم
أبعدته عنها ,وهي تعود لتنظر لعينيه مباشرة :
أنا راضية بمصيري ,لا تخف ,ولا تحزن ,أنت تعلم كم أحببتك وتمنيت إسعادك .
ثم أخرجت مظروفا من تحت وسادتها وناولته إياه : خذ هذا ياحاتم ستجد فيه رسالة لك ولكل من عرفت ولتلاميذي أيضا سأستأمنك على هذه الأوراق
إذا رحلت عنكم أو حدث لي أي مكروه سلم كل خطاب لصاحبه ولا تنسى أن تقرأ لتلاميذي رسالتي ,هذا طلبي الأخير
أمسك حاتم المظروف ,ويداه ترتجفان, وعيناه مغرورقتان بالدموع ,ثم قبل يدها :
يجب أن تستريحي الآن ,سأذهب وأعود إليكِ غدا لأراكِ قبل العملية .
************************
ارتدت وفاء ملابسها استعدادا لدخول غرفة العمليات ,وخرجت من حجرتها ومعها الممرضات ومنال شقيقتها وفورا التف حولها صديقاتها وزميلاتها
وحاتم أسرع نحوها وأمسك بيدها ,لم تنطق بكلمة واحدة ,فقط نظرة الوداع كانت بعينيها ,حاولت أن تشبع عيونها من وجوههم جميعا ؛فقد لا تراهم ثانية
بعد هذه اللحظة وقد لا يرونها هم أيضا ,كانت مشفقة عليهم ؛فودعتهم بابتسامتها ,كانت تريد أن تظل هذه الصورة محفورة بمخيلاتهم إلى الأبد ,ابتسمت رغم ألمها
ومرضها وحزنها ,وهم كذلك ابتسموا محاولة لرفع معنوياتها ,وحاولوا أيضا أن يغتنموا الفرصة ويشبعوا روحهم من وجودها معهم هذه اللحظات
وحاولوا أن يحفظوا بخيالهم هذه الصورة للأبد ,صورة وجهها الملائكي وابتسامتها الهادئة الصافية الراضية بقضاء الله .
وقفوا جميعا في أماكنهم وهي تسير ,واستمر معها منال وحاتم كل منهم على ناحية ,وكل منهم يمسك بإحدى يديها ,تشبثت بهم بقوة عند الباب
احتضنت أختها بقوة وعندها أمسكت بها الممرضة ؛لتدخل ؛فأفلتت يديها منهما ودخلت وأغلق الباب
وبقيت النظرات من وراء الزجاج ,ومددت وفاء على الفراش ,ثم غابت عن الوعي لتبدأ العملية
********
كان أستاذها يقف في الفصل ,يشرح الدرس بنفس شكله وملابسه وملامحه المقربة لنفسها ,ولكنها لم تكن داخل الفصل كانت تراه من الخارج
وقفت وفاء عند باب الفصل ,وهي تناديه : أستاذ محمد ,هل عدت إلينا مرة أخرى ؟
الأستاذ : لا يا وفاء ,أنتي من ستأتين إلينا ,انظري إلى نفسك ,لم تعودي طفلة ,أصبحتي مدرسة مثلي
ثم عاد ليكتب على لوح الحائط ,وبدأ الشرح
وفاء : أستاذ ,أنت تشرح لتلاميذك إذن فقد عدت لمدرستك وصرت زميلي بنفس المدرسة ، هذا ما كنت أحلم به منذ أن عملت هنا ,أن تعود ونصبح زملاء.
الأستاذ : لا يا وفاء ,أنتِ من تقفين على الباب ، أنتِ من أتيتِ لنا, أنا هنا أمارس عملي مثلما تمارسين عملكِ هناك .
وفاء : أستاذ, ما هناك وهنا ؟ لا تمزح ,أريد الدخول للفصل الآن
الأستاذ : ليس الآن يا وفاء, لم يأتِ موعدك بعد
وفاء : أرجوك يا أستاذ ,اتركني أدخل ,لقد اشتقت إليك كثيرا .
حاولت وفاء الدخول ولكن لم تستطع وكأن هناك حاجز شفاف عند الباب يمنعها من الدخول
****
في العملية
الممرضة : سيدي حالتها تسوء .
الطبيب : أحضري الجهاز بسرعة ,العملية تمت على ما يرام ,أخشى أن تدخل فى غيبوبة .
نظرت الممرضات له بأسف ,وهو يحاول أن ينعش قلبها بجهاز الصدمات الكهربائية
***
بالخارج
حاتم ومنال يقفان وراء الزجاج ,بينما كانت منال تتابع بشغف كان حاتم يعطي ظهره للحائط ويقرأ تلك الرسالة التي تركتها له
"حبيبي حاتم هذه رسالتي إليك, أكتبها وأنا وحيدة ومريضة, لم أكن أتصور أن يصل بي الحال إلى هنا
ولكنه قدري, ادعُ لي أن أعود إليك, وأكمل معك اكبر أحلامي
فأنت أكبر حلم في حياتي ,والوحيد الذي لم أحققه من كل طموحاتي وأحلامي التي جالت بخاطرى يوما
وإذا كُتب لي ألا أراك ثانية ؛فادعُ لي بالرحمة والغفران ,ولا تنسى أيامنا السعيدة
اجعلها دائما نصب عينيك , وتتبع من من تلاميذي فكر أن يصبح مثلي وفعل مثلما فعلت ربما يخرج من بينهم من هو أفضل مني بكثير
آخر كلمة تنطق بها شفتاي ,فقط لك ,أحبك "
إلى لقاء يعلم موعده الله
حاتم
هتفت به منال وانتزعته من شروده
حاتم ,وهو يلتفت إليها في سرعة : نعم ؟
ثم انتبه ,وهي تشير له ، كانوا يحاولون إسعافها وإنعاش قلبها
سالت الدموع من عينيه ,وكأنها أمطار السماء في ليلة باردة حزينة ,اغتسل وجهه بدموعه الساخنة ,وهو يرفع يديه على الزجاج يناديها بهمس
لا يا وفاء ,لا تذهبي, أرجوكِ
***
الأستاذ: قرري يا وفاء هل ستدخلين أم ستعودين لعالمك من حيث أتيتِ ؟
وفاء: أريد أن أعود ,وأريد أن أبقى وأدخل إليك ,هل تعلم كم اشتقت إليك ,وكيف يأخذني الحنين إلى هذه الأيام الرائعة ؟؟
لقد اشتقت كثيرا لدروسك ,دعني أدخل .
الاستاذ : وماذا عن دروسك أنتِ ياوفاء ؟؟ ماذا عن رسالتك ؟؟ ألم تشتاقي إليها أيضا ؟
أنتي امتدادي هناك ، ابنتي التي لم أنجبها ,أنا فخور بك يا وفاء ,صدقيني فخور للغاية ، عودي لتلاميذك وفاء
لمدرستك وعملك ,تمسكي بالحياة
تمسكي بالحياة
نطق حاتم بالجملة الأخيرة ,وهو يمسك بيدها وهي بغرفة العناية المركزة عندما دخلت منال تذكره بأن الساعة السابعة وعليه الذهاب لعمله
**************
في طابور المدرسة
أمسك حاتم بمكبر الصوت الخاص بالمدرسة ليلقي على مسامعهم تلك الرسالة التي تركتها له وفاء
"منّي أنا وفاء أستاذتكم ,هذه رسالتي إليكم تلاميذي الأحباء ,فكما أحببتمونني فأنا أحبكم أكثر بكثير ، أرجو أن أجد فيكم الوفاء الذي جعلني
أهب دراستي ومستقبلي وحياتي ؛امتنانا لأستاذي ، أنا الآن في محنة ,أطلب منكم جميعا الدعاء حتى أجتازها وأعود بينكم مرة أخرى
وإذا لم أجتزها ، وإذا رحلت عنكم؛ فتذكروا أنني لا أزال أحيا بذاكرتكم ,وبكل شيء علمتكم إياه ، وكل أثر تركته في نفوسكم وقلوبكم ،
أرجو أن تدعو لي دائما كلما تذكرتمونني ولا تيئسوا إذا لم تجدوا بمراحل دراستكم معلما يفهمكم ويحتويكم ؛فيمكنكم أنتم أن تحققوا هذا في يوم من الأيام
وتصبحوا معلمين متميزين؛ فالمعلم هو من يصنع كل الشخصيات في حياتنا ,هو من يصنع الطبيب والمهندس والأديب وحتى المعلم الناجح ,هو من يصنعه
أستودعكم الله وأدعوه أن أرى ابتسامتكم مرة أخرى؛ فلا تدعوها تفارق شفاهكم "
وبين دموع الجميع من المدرسين والتلاميذ و في جو الصمت الكئيب الذي خيم على المكان دار حوار بين طفلتين, إنها تلك الطفلة أمل وصديقتها هناء
هناء : سأدعو لها طوال الليل حتى تشفى وتعود
أمل : أنا أريد أن أصبح مدرسة مثلها ، وعندما تعود سأخبرها بذلك
هناء : وإذا ماتت ؟؟
أمل : لن تموت ,هل تفهمين لن تموت ، يارب أعدها إلينا يارب .
كانت وفاء لا تزال تقف بجوار الفصل وذلك الحاجز الهلامي يمنعها من الدخول ,وهي تحاول اختراقه ,تتبع نظرات أستاذها وابتساماته بالداخل, نظرت
إلى السماء والأصوت تتداخل بأذنها ,سمعت صوت طفلة شعرت بها تقبلها كانت تلك الطفلة أمل التي أتت ؛لزيارتها ؛لتضع زهرة بجوار وسادتها
" عندما أكبر سأصبح مدرسة مثلك وسأجعل تلاميذي يحبونني مثلك "
ابتسمت وفاء وهي تسمع ذلك الصوت الذي يخترق أذنيها ليصل إلى قلبها فرفعت رأسها إلى السماء وهي تطلق تنهيدة وكأنها رفعت عن عاتقها هم ثقيل
كانت العصافير بصوتها المعهود يعلو ,وهي تملأ السماء ,والشمس تبزغ من بعيد ثم تزداد إشراقا وتألقا ,ولا تزال وفاء واقفة بجوار الفصل
ولكن أكثر راحة واطمئنان ، ثم دارت على عقبيها وأعطت للفصل ظهرها وهي تهتف:
إلى اللقاء أستاذي
الأستاذ وقد اتسعت ابتسامته : سنلتقي يوما يا وفاء .